الشيخ محمد الخضري بك
172
نور اليقين في سيرة سيد المرسلين
قريش في أثره رجلين يطلبان تسليمه ، فأمره عليه الصلاة والسلام بالرجوع معهما ، فقال يا رسول اللّه : أتردّني إلى الكفّار يفتنونني في ديني بعد أن خلصني اللّه منهم ؟ ! فقال : إن اللّه جاعل لك ولإخوانك فرجا ، فلم يجد بدّا من اتّباعه ، فرجع مع صاحبيه ، ولمّا قارب ذا الحليفة عدا على أحدهما فقتله ، وهرب منه الاخر ، فرجع إلى المدينة وقال : يا رسول اللّه وفت ذمتك أما أنا فنجوت ، فقال له : اذهب حيث شئت ولا تقم بالمدينة ، فذهب إلى محل بطريق الشام « 1 » تمرّ به تجارة قريش ، فأقام به ، واجتمع معه جمع ممن كانوا مسلمين بمكّة ونجوا ، وسار إليه أبو جندل بن سهيل ، واجتمع إليه جمع من الأعراب ، وقطعوا الطريق على تجارة قريش حتى قطعوا عنهم الأمداد ، فأرسل رجال قريش لرسول اللّه يستغيثون به في إبطال هذا الشرط ويعطونه الحقّ في امساك من جاءه مسلما ، فقبل منهم ذلك ، وأزاح اللّه عن المسلمين هذه الغمّة التي لم يتمكّنوا من تحمّلها في الحديبية حينما أمرهم عليه الصلاة والسلام بردّ أبي جندل ، وعلموا أن رأي رسول اللّه أفضل وأحسن من رأيهم حيث كان فيه أمن ، تسبب عنه اختلاط الكفّار بالمسلمين ، فخالطت بشاشة الإسلام قلوبهم ، حتى قال أبو بكر رضى اللّه عنه : ما كان فتح في الإسلام أعظم من فتح الحديبية « 2 » . ولكن الناس قصر رأيهم عما كان بين محمد وربّه ، والعباد يعجلون واللّه لا يعجل لعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد . وفي رجوعه عليه الصلاة والسلام من الحديبية نزلت عليه سورة الفتح وقال سبحانه في أولها : إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً وفي تسميه هذه الغزوة بالفتح المبين تصديق لما قدّمنا لك عن الصديق . مكاتبة الملوك بعد رجوع المسلمين من الحديبية في أواخر سنة ست وأمن الطريق من قريش
--> جندل وأبي بصير أن يقدما عليه ، ورد الكتاب وأبو بصير يموت ، فمات وكتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في يده ، فدفنه أبو جندل مكانه وصلّى عليه . ( 1 ) تدعى سيف البحر قفي رواية معمر عن الزهري ، أنه كان يصلي بأصحابه هنالك ، حتى لحق بها أبو جندل بن سهيل فقدموه ، لأنه قرشي ، فلم يزل أصحابه يكثرون حتى بلغوا ثلاثمائة . ( 2 ) ذكر ابن كثير في سيرته أنه من قول الزهري لعله يكون في الحادثة قولان متشابهان لأبي بكر والزهري واللّه أعلم .